السيد عباس علي الموسوي
239
شرح نهج البلاغة
( ويسمع لا بخروق وأدوات ) فلا يحتاج لكي يسمع شكوى المظلومين ودعاءهم أو كلام الداعين والمتهجدين أو ما يجري في العالمين لا يحتاج إلى ثقوب الآذان وأدواتها من السدان والمطرقة وغيرها من رفع الموانع بل هو يسمع السر وأخفى . . . ( يقول ولا يلفظ ) فهو يخلق الصوت في الشجرة فتتكلم ولا يلفظ بلسان كما هو المتعارف عند الناس . ( ويحفظ ولا يتحفظ ) يعلم الأشياء ولا يحتاج بقاء علمه لها إلى أن يتحفظ عليها ويبقى يستذكرها لأن ذلك يحتاج إلى آلة وهو منزه عن ذلك . . . وقيل : إن معناه يحفظ عباده من المهالك ولا يتحفظ منهم لأنه لا يتأثر بهم . . . ( ويريد ولا يضمر ) إذا أراد شيئا تحقق مباشرة بدون حاجة إلى أن يضمر وجوده ويحفظه في نفسه وينوي إيجاده لأن ذلك دليل عجز وهو فعل الممكن الذي يعجز أو يحتاج إلى تصور للشيء وعزم عليه . . . ( يحب ويرضى من غير رقة ) نفي لما هو عند البشر من حيث إنه إذا أحب إنسان إنسانا ورضي عنه رقّ له وعطف عليه ومال إليه بل إن حبه ورضاه على إنسان إنما يكون بمعنى إثابته وإنعامه عليه . ( ويبغض ويغضب من غير مشقة ) يبغض العبد لعصيانه ويغضب عليه لتمرده ولكن بغضه يعني عذابه وعدم ثوابه له وغضبه عليه يعني عقابه وليس ما تعارف عند الناس وطبعوا عليه من أنهم إذا أبغضوا إنسانا ثارت قواهم الغضبية وأحبوا الانتقام منه . . . ( يقول لمن أراد كونه : « كن فيكون » لا بصوت يقرع ولا بنداء يسمع وإنما كلامه سبحانه فعل منه أنشأه ومثله ، لم يكن من قبل ذلك كائنا ولو كان قديما لكان إلها ثانيا ) هذا من قول اللّه تعالى : إِنَّما أمَرْهُُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ . قالوا : والتقدير بأن يكونّه فيكون فعبر عن هذا المعنى بكن لأنه أبلغ فيما يراد وليس هنا قول وإنما هو إخبار بحدوث ما يريده فإنه سبحانه إذا أراد شيئا تحقق وجوده بدون أن يلاحظ منافعه وفوائده وضرورة وجوده وغيرها من المقدمات التي تتحرك في ذهن البشر ليحصل المطلوب . . . ولكون المراد يتحقق بنفس الإرادة نفي أن يكون قوله : لكِنْ نتيجة صوت يقرع الآذان أو نداء يسمع المراد ، فكنّ لا تعني لفظا ولا حرفا يلفظ أو يقال . . . وإنما كلامه سبحانه فعل منه أنشأه ومثله فهو فعل من أفعاله التي خلقها في غيره أو